فخر الدين الرازي
143
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ويقولون : ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : كفوا أيديكم فاني لم أومر بقتالهم ، واشتغلوا بإقامة دينكم / من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم ، فأنزل اللَّه هذه الآية . واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال ، والراغبون في القتال هم المؤمنون ، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين . ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم انا مؤمنون وانا نريد قتال الكفار ومحاربتهم ، فلما أمر اللَّه بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه . القول الثاني : أن الآية نازلة في حق المنافقين ، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين . فالأول : أنه تعالى قال في وصفهم : يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [ النساء : 77 ] ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق ، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من اللَّه تعالى . والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ، والاعتراض على اللَّه ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين . الثالث : أنه تعالى قال للرسول : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة ، وذلك من صفات المنافقين . وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد ، وهو أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع ، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى ، وقولهم : لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الإنكار لا يجاب اللَّه تعالى ، وقوله تعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك ، بل لأجل إسماع اللَّه لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة ، فحينئذ يزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي ، فهذا ما في تقرير هذين القولين واللَّه أعلم ، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [ النساء : 78 ] ولا شك أن هذا من كلام المنافقين ، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا . المسألة الثانية : دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد ، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول ، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر اللَّه ، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق اللَّه ، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد . المسألة الثالثة : قوله : كَخَشْيَةِ اللَّهِ مصدر مضاف إلى المفعول . المسألة الرابعة : ظاهر قوله : أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً يوهم الشك ، وذلك على علام الغيوب محال . وفيه وجوه من التأويل : الأول : المراد منه الإبهام على المخاطب ، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة ، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من اللَّه ، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد ، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ، بل يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطب . الثاني : أن يكون « أو »